محمد متولي الشعراوي

704

تفسير الشعراوي

فالذي يكلف الإنسان بمقتضى هذه الأشياء هو عالم أن العقل إن وجد ناضجا بلا إكراه فلا بد أن يهتدى إلى قضية الحق . إن الحق سبحانه لم يكلف الإنسان إلا بعد أن تكتمل كل ملكات نفسه ، لأن آخر ملكة تتكون في الإنسان هي ملكة الغريزة ، أي أن يكون صالحا للإنجاب ، وصالحا لأن تمتد به الحياة . وقلنا من قبل : إن الثمرة التي نأكلها لا تصبح ثمرة شهية ناضجة إلا بعد أن تؤدى مهمتها الأولى ؛ فمهمتها ليست في أن يأكلها الإنسان فقط . إنما أن توجد منها بذرة صالحة لامتداد الحياة ، وعندما توجد البذرة يكون أكل الثمرة صالحا ، كذلك الإنسان ؛ لا يكون صالحا لامتداد الحياة إلا بعد البلوغ أو في سن البلوغ ، وسبحانه وتعالى جعل لهذه الغريزة سعارا ؛ لأن الحياة التي ستأتي من خلالها لها تبعات أولاد ومشقات ، فلو لم يربطها اللّه بهذه اللذة لانصرف عنها كثير من الناس ، لكنه سبحانه يربطها باللذة حتى يوجد امتداد الحياة بدافع عنيف وقوى من الإنسان . فالحق سبحانه لا يفاجئ الإنسان بتكليف إلا بعد أن يعده إعدادا كاملا ، لأنه لو كلفه قبل أن ينضج غريزيا ، وقبل أن تصبح له قدرة على استبقاء النوع ، لقال الإنسان : إن اللّه كلفني قبل أن يوجد فىّ ذلك ، عندئذ لا يكون التعاقد الإيمانى صحيحا . ولذلك يؤخر الحق تكليفه لعباده حتى يكتمل لهم نضج العقل ونضج الغريزة معا ، وحتى يدخل الإنسان في التكليف بكل مقوماته ، وبكل غرائزه ، وانفعالاته ؛ حتى إذا تعاقد إيمانيا ؛ فإن عليه أن يلتزم بتعاقده . إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يربّى في الإنسان ذاتيته من فور أن يصبح صالحا لاستبقاء النوع في غيره ، وما دامت قد أصبحت له ذاتية مكتملة ، فالحق يريد أن ينهى عنه التبعية لغيره ، عند ذلك لا يقولن أحد : « أفعل مثل فعل أبى » . لكن هناك من قالوا : « نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا » ، لماذا يتبعون آباءهم في المنهج الباطل ، ولا يتبعونهم في باقي أمور الدنيا ، وفي الملابس ، وفي الأكل ، وفي كل مناحى الحياة ؟ .